يناير 2026
أسمعك حبيبتي, أفهمك, أستطيع رؤية شعورك و ما مررت به, أقدر كل المجهود الذي قمت به, و التعب و الصعوبات التي عشتها
أعتقد أن هذا ما كنت ابحث عنه طوال الوقت و أنا أسير هذا الطريق الطويل. كنت ابحث عن أحد يرى وجعي, يحس بألمي, أحد يقول هذه الكلمات بصدق أو حتى كذبا لا فرق, بحثت في كل مكان و بعدة طرق, و كنت مستعدة لدفع أي ثمن لأجد أحد يحتوي ألمي, يقدر مجهودي, يؤمن بأحلامي, أحد يساعدني او يحملني حين أتعب, حين أشعر برغبة في التوقف و لو قليلا
آه, آه ما أكبر هذه الرغبة و اثقلها و هي تزداد حجما كل يوم, كيف فقط حملتها كل هذه السنوات ؟ حتى حين لم تكن لدي أي ضمانات للنجاة, أو أي دليل على أنني أسير في الطريق الصحيح. استمريت في البحث رغم ثقل ما أحمل على طريق ضبابي لا أكاد أرى طرف أقدامي, على طريق محفوف بالمخاطر والمفاجآت. ربما لم يكن لدي خيار آخر, أو ربما لأنني كنت مؤمنة بأنني سأنجح بشكل ما, أو ربما مزيج من الاثنين , كل ما أعرف هو أن الثمن كان كبيرا جدا, كبير على جسد صغير, و روح لم تتعلم بعد الخوص في بحر الحياة, أما الإعتراف بهذا اليوم فهو أشد ألما من عيشه عدة مرات
حين يشعر الجسد بالأمان للبوح بما يحمل
كلمة كتابتها تجعل جسدي يرجف من قوتها, لم يكن لدي أي فكرة عن كل هذا من قبل, حتى حان الوقت لاستقبالها في جسدي و عقلي في وقت لم أكن أعتقد أني جاهزة له:
الأمان, هذا المصطلح الذي لم ادرس عنه من قبل, و لا عن قواعده أو قوانينه
ما عشته مؤخرا كان مذهل لدرجة لا أجد كلمات لوصفه وإن حاولت, أحيانا ما نعيشه يكفي ببساطة أن نعيشه, لكنها تبقى تجربة إنسانية مشتركة يمر بها الجميع بطريقة مختلفة و هذا ما يجعل التحدث عنها اليوم مشروع بالنسبة لي
أول مرة بدأت التواصل مع جسدي كان أمرا جديد و غريب لأنني لم ارى في محيطي من يفعل ذلك, فقد سمعت عن الكثير من أنواع التواصل من قبل لكن ليس عن التواصل مع الجسد, مع الداخل, العقل, القلب, المشاعر و الأحاسيس
اكتشفت أنني كنت أعيش في انفصال تام عن نفسي و جسدي و كأنني أستعمل أداة مستعارة لعيش هذه التجربة، هذه التجربة التي قد تبدو سطحية في شكلها لكنها عميقة, غنية و مذهلة في عمقها. بدأت أكتشف الحياة من بعد آخر هذه المرة، من زاوية مختلفة تماما عن كل ما عرفته من قبل. بدأت ارى أدوار و أدوات لم أكن أعرف عنها و لا عن التعامل بها أو معها, و هذا طبع مربك بشكل أحيانا مخيف, و كأنني أخوض تجربة منفصلة تماما عن كل ما عشته في السابق, الأمر كان مخيف بطريقة ما، لكنه في نفس الوقت قادني إلى سلام لم أشعر به من قبل, شعور غريب بالوجود و التواصل و التفاعل مع عناصر الحياة المختلفة. انطلقت أكتشف مجموعة من المبادئ, القواعد و المفاهيم الغير مألوفة بالنسبة لي, بدا الأمر في البداية مشوق لكنه كان محفوفا بالمفاجئات, فهو طريق جديد, مجهول و غير واضح يتسلل بين جنباته القليل من الهدوء و الأمان الذي كان يعطيني ما يكفي من الطمأنينة للاستمرار رغم كل الضباب المحيط بالطريق
بدأت لأول مرة ألاحظ جنبات الطريق و بعضا من جمال المناظر, وكنت اتسال في دهشة هل هذا جديد أم أنه كان موجودا طوال الوقت لكنني لم اكن اراه من شدة انشغالي و تركيزي على نهاية الطريق, سألت نفسي فجاة و كأنني استيقظ للتو من غيبوبة طويلة: إلى أين أذهب يا ترى و إلى أين الوجهة, شعرت بقليل من الخوف و أنا أحاول فهم ما يحدث, لكن سرعان ما تسلل ضوء خفيف من النافذة أشعرني بالدفئ و انساني عبء السؤال عن جواب ربما لن اجده ابدا
شعرت أن الإيقاع بدأ يصبح هادئا و بطيئا و الأشياء تتحرك بطريقة مرنة و و أقرب الى السكون, بدأت الأبواب تفتح واحدة تلوى الاخرى, كل واحدة محملة بذكريات ثقيلة و مشاعر ظلت مكبوتة و برمجيات و أفكار بقيت مكبلة في الظلام سنوات طويلة, رأيت و كأنني أرى لأول مرة احجار, سماء واشجار النخيل الطويلة و الصامدة في صمت في وجه الرياح القوية, القهوة والموسيقى الهادئة التي كانت العنصر الذي اضفى شاعرية و عمق على هذا المنظر المذهل من النافذة من شهر يناير البارد, ظروف كانت مناسبة لتسمح بظهور كل هذا العمق دون ضغط أو حكم. هنا بدأت الدموع في السباق على من تنزل أولا و كأنها نهر كبير ظل محبوسا سنوات طويلة في مكان مظلم, يرافقها شعور خفيف و رقيق بالهدوء و الإتصال, شعور بالعودة الى الذات, و فجأة يبدأ سيل من الأفكار يملأ المكان, أفكار مسرعة وكأنها تجد أخيرا مساحة آمنة للتواجد, اكتشافات ثم انكشافات مؤلمة قاسية, قوية و ثقيلة، تحتاج وقتا ومساحة للإستقبال و الاحتواء, الفهم و التنظيف فقد احتلت لمدة طويلة مساحة أكبر بكثير مما هو مسموح في الداخل, في الذاكرة و الجسد
من أقوى ما ظهر ذلك اليوم: فكرة عميقة تضرب في الجذور, سرت و عشت على اثرها طوال حياتي و اليوم و أنا أكتشفها أشعر بألم شديد لا استطيع تفسيره تماما, كنت دائما اتساءل بشأنه لكنني لم اكن املك الوعي الكافي لفهمه و الخروج منه:
( لنستحق الحياة, يجب أن نتعب), ( لنستحق الحياة يجب أن نفني أنفسنا في العمل و الحياة و السعي)
رأيت هذا في كل مكان في محيطي و طوال حياتي حتى اعتقدت به و أصبح مبدأ حياة, قاعدة لا تحتمل التغيير, حتى في تلك اللحظات النادرة التي كان يظهر فيها سؤال خجول يتساءل بشأن هذه الحقيقة سرعان ما كان ينطفئ من قوة المعتقدات التي كانت تملأ كل مكان اكون فيه, و يبقى ذلك السؤال » هل هذه هي الطريقة الوحيدة للعيش » عقيما, عالقا في مكان خفي بين أفكاري الثائرة
اعترف بذلك اليقين الخجول الذي لم يستسلم ابدا رغم ضعف قوته, لكنه لم يكن أبدا سهلا التشكيك في مبدأ سار ويسير عليه عدد هائل من الناس, فكانت قلة النماذج يزيد من ضعف الفكرة و يدفعني الى اتباع النماذج والأفكار المتاحة. لم أكن قادرة على فهم كيف أن الإنسان يعمل من أجل البقاء و ذلك العمل نفسه يتعبه و يدمره, لم اكن استطيع تقبل فكرة ان الانسان عليه ان يفني صحته و جسده و روحه من أجل توفير ما يعيش به و يسعده, كنت اجد انها معادلة غير متزنة، لكنني لم أكن أملك الأدوات لتفسير ولا فك ولا حتى فهم لماذا أو كيف يحدث هذا
سنوات من العيش ومحاولة تقبل و تطبيق مبدأ لا يقبله العقل فقط لأنه لا يوجد خيار آخر, المؤلم و القاسي حقا هو أنني كنت أحاول تطبيق هذا القانون على أحلام كبيرة جدا, أكبر أحيانا من قدرة هذا القانون و المحيط الذي نشأ فيه, حتى بدأت قسرا أقبل بان أحلامي مجنونة و غير قابلة للتحقق. نعم اعرف ان الاعتراف بهذا اصعب من القيام به, لكنه ما حدث فعلا. لأنني لم أكن أعرف عن قواعد و قوانين أخرى فبدأت مع الوقت اتعب من حمل كل ذلك بمفردي و السير ضد التيار, أعتقد أنني كنت أطبق واحدة من النصائح التي نسمع باستمرار, لا تسر عكس التيار, او لا تتعلق فين تفلق. نعم فالتكرار يصنع طريقا في الصخر و كيف لا اؤمن بهذه الافكار و هي تتكرر على مسامعي طوال سنوات
مؤخرا سمعت جملة اعادت الي الامل بشكل ما، تقول ان الله لا يضع حلما في قلب إنسان إلا وهو يعرف أنه يستطيع الوصول إليه، لكنها في نفس الوقت طعنتني لانها ذكرتني بحقيقة أنني خذلت نفسي بقبول ترك احلامي خلفي و محاولة التعايش مع الواقع كما اختار الآخرون، لم تكن العودة إلى هذه الفقرة سهلة، و استسلمت حينها للدموع، دموع الحسرة و الحرقة، دموع كانت تحاول ان تنظف الغبار عن وجع قديم، اعتقدت لوهلة أنه مات واختفى أثره
اكتشفت انني قبلت بشكل ما فكرة أنه لتحقيق أحلامي علي تحطيم نفسي، و بدأت بدوري احطم نفسي بالعمل الكثير و الجري و الجهد الذي يتجاوز طاقة الجسد، لكنني نسيت الحلم
قبلت السير في نفس المسار، و قتل جزء من احلامي للبقاء على قيد الحياة. أتذكر تلك اللحظة التي انهرت فيها بالبكاء من قوة و قسوة هذه الحقيقة، شعرت بالخذلان، و التخلي، بالذنب و الفشل مني لنفسي، المهول في هذا الآن وأنا أتذكر هذا الجزء، هو أنه غالبا ما نلوم الآخرين و الحياة على الخذلان و التخلي و عدم الدعم، و ننسى اننا من قام بذلك اولا مع أنفسنا. نعم فغالبا عندما نلوم الآخرين فنحن في الحقيقة نلوم أنفسنا بشكل غير مباشر، نعم في لوم الآخرين أسهل بكثير من تحمل مسؤولية خياراتنا على كل حال
هنا أدركت أن ما كنت أنتظره وأتوق إليه من الآخرين ومن الخارج من اهتمام وتقدير ورعاية ما كان إلا احتياجا داخليا يطلب مني أن أراه, كانت نفسي تتألم في صمت, و تطلب الرحمة واللطف, حين لم أكن قادرة على فعل ذلك لنفسي و لم أكن أعرف حتى أنني أستطيع فعل ذلك, كنت أحاول إيجاد ذلك في الخارج, و اسعى للحصول عليه من الاخرين, أعترف اليوم أن حتى رؤية هذا بوضوح والاعتراف به ليس أمرا سهلا, فهو من جهة قبول التشكيك في مجموعة كبيرة من المعتقدات التي سرت عليها طوال سنوات, و من جهة هو اعتراف بتحمل المسؤولية تجاه نفسي بدل السعي المستمر لإيجاد من ألوم أو منقذ لنفسي
السؤال الذي ظل قائما: هل هناك طرق أخرى لعيش الحياة، تحقيق أهدافنا و عيش الحلم دون سحق الجسد و الروح، دون أن يكون الجسد ثمنا بل رفيقا و سندا
الجواب ببساطة هو: نعم هناك طرق أخرى كثيرة. من بين ما اكتشفت إلى حد الآن هو الهدوء,الحضور و التوقف.. طبعا هناك أخرى لم اكتشفها بعد ربما لانني لست مستعدة بعد، لكنني قررت وعزمت على تطبيق ما اكتشفت إلى حد الآن مثل: التساؤل بشأن وقتي و جهدي و أي أضعهم
اختيار مسار يشبهني و يجيب عن احتياجات بل السعي وراء تقليد قصص و أهداف الآخرين
الإيمان بالله، بالغيب، بأن طاقتي محدودة و انني لا استطيع السيطرة على كل شيء
العيش بحضور ووعي ما استطعت
اكيد تطبيق هذا لم يكن سهلا أو سريعا، هو رحلة لها بداية بلا نهاية، ننطلق فيه بنية اللا عودة، تتطلب الكثير من الصبر و الحضور، و لكنها تستحق العناء
و تستمر القصة






