أستغرب أحياناً لحالنا كيف نفوت علينا عيش اللحظة، الآن، اليوم
هذه الحقيقة المضمونة إلى حد ما وغالبا ما ننشغل عنها بالسعي والاهتمام بأشياء لم تحدث بعد، ظروف وأقدار لم تكتب بعد
لا شيء يضمن أن ما نرغب فيه سيحدث. أن ما نطمح له سنصل إليه. لا أحد يضمن بأن الغد سيأتي أو أننا سنحصل على ما نرغب فيه ونعيش اللحظات التي نتمنى عيشها، لكننا مع ذلك نصر على التشبث و التعلق بالمستقبل، بالقادم، بالغيب و ما يخبئه لنا
مقابل هذا، نحن نملك هذه اللحظة الآن، اليوم…و هذا كل ما نملك في الحقيقة. العجيب أننا غير مدركين بأهمية هذا الأمر، لأنه حتى لو وصلت إلى تلك المرحلة وامتلكت ما ترغب في امتلاكه وعشت ذلك الظرف الذي تمنيت أن تعيشه فحتما ستكون منشغلا بأهداف و أحلام أخرى وستفوت عليك مرة أخرى فرصة تذوق واستشعار ذلك الإنجاز أو الفرح بتلك القطعة، أو الاحتفال بذلك النجاح
يا إلهي إن الأمر عميق جدا ومهم لأنه يمس حياتنا نعم هذه الحياة التي نجري من أجل الوصول إليها و النجاح فيها، أحيانا ندفع أرواح أخرى من أجلها، حياة إنجازات وأهداف نعمل و نضحي من أجل تحقيقها وما أن نصل إليها حتى تبدأ تفقد قيمتها ثم نبدأ في البحث عن أهداف وإنجازات جديدة
عندما استوعبت هذا كنت في دهشة كثيرا، أعترف أن الأمر غير في نظرتي الحياة والتفاصيل كثيرا بدأت أصبح أكثر حساسية و انتباها لما يوجد حولي، للتفاصيل الصغيرة التي اعتدنا وجودها فلم نعد نقدرها لم نعد نشعر بقيمتها
دعنا نبدأ من أبسط الأشياء نعم أنا أتنفس كل يوم لحظة، دقيقة وثانية يا إلهي هل تعلم ما معنى أن تتنفس ؟ هذا الهواء الموجود 24 ساعة، سبعة أيام، طوال أيام السنة في كل مكان دون أن ندفع مقابلة أي شيء يكفي أن نستنشقه
نعم جرب هذا.. استنشق بعض الهواء ولاحظه و هو يدخل إلى جسدك ثم يخرج كم تقوم بهذا من مرة في اليوم دون أن تشكر دون أن تستوعب قيمة وجمال هذه النعمة هناك من لا يستطيع القيام بهذا بمفرده
انظر حولك لاحظ لوهلة كم من النعم تحيط بك؟ جسدك هذه الآلة العجيبة المذهلة في كل تفاصيلها وكل الأدوار التي يقوم بها الجسد أعضاؤه المرتبة بعناية كيف تعمل ؟ لتسمح لنا بعيش هذه التجربة بسلاسة و راحة
ثم ابتعد بنظرك قليلا: أنت غالبا موجود في بيت به سقف وجدران وأثاث جميل تفاصيله ناعمة، مطبخ أكل يكفي لتعيش يوما على الأقل، هدوء و سكون هل أدركت من قبل كم هو مهم أن تتواجد في مثل هذا المكان وكم يساعدك هذا للعيش بكرامة براحة باستقرار؟ العائلة، الأصدقاء، العمل، البنية التحتية، الماء، البصر، الأشجار، البحر، الجبال، يا إلهي… كم من النعم نتمتع بها بشكل يومي لكننا نغفل على استشعارها، ملاحظتها و الإمتنان لله عليها
حسنا أعرف أن كلامي قد يبدو فلسفيا لكنه حقيقة، فحياتنا عبارة عن لحظات صغيرة تمر واحدة تلوى الأخرى لكننا أو أغلبنا يعيش في غفلة: فإما يقضي حياته في التفكير بالماضي أو في المستقبل ونعتقد أنه حين نمتلك سيارة، بيت، هاتف، قطعة ملابس ،عمل، زوج، أطفال أو مكان بيت معين في مدينة معينة سنكون سعداء، لكن الحقيقة أننا حينها سنكون منشغلين بأشياء و أهداف أخرى بدلا الاستمتاع بتلك التفاصيل والأشياء
الأمر مؤسف حقا، قوي و عميق -كيف تُسرق منا الحياة هذا العنصر الأغلى على الإطلاق نعم « الحياة »-؟
صدقني انه حين تركز قليلا على حياتك دائرتك الصغيرة، التفاصيل التي تملأ يومك ستستوعب قيمة كل جزء، ستدرك كم أنت محظوظ نعم محظوظ جدا بل من أكثر الناس سعادة وحظا على الأرض، لأنك تملك كل ما تحتاجه لتعيش بسلام و كرامة. أعرف أن الأمر ليس بالسهل لأن عقولنا مبرمجة منذ سنوات على الاعتقاد بأن السعادة والغنى في الأشياء المادية، في النجاح الخارجي في امتلاك الكثير، لكن هناك من فهم ربما هم قليلون لكنهم فهموا أن الحياة والسعادة موجودة في الأشياء البسيطة، في المعنى، في استشعار وتقدير النعم البسيطة التي لا تثير الانتباه ولكنها تٌحدث فرقا. السعادة والفرح ليست دائما في نطمح إليه قد تكون فيما نملك الآن، نعم الآن، اليوم
الخبر الجيد هو أنه أجسامنا وعقولنا قابلة لإعادة البرمجة في أي وقت، نعم نحن كائنات يمكن أن يعاد برمجتها باستمرار وبالتالي هذه فرصتك أو تعيد برمجة عقلك و جسدك على تقدير النعم الموجودة في حياتك، التفاصيل الصغيرة، في هذه اللحظة، اليوم، هذه الدقيقة، ما نملك الآن، ما نعيشه الآن، حتى لو بدأ قاسيا أحيانا أو مزعج أحيانا أخرى أو غير كافي، لكن دعني أخبرك بأنه من لم يتعلم أن يقدر ويحمد على الأشياء الصغيرة لن يفعل على الأشياء الكبيرة و أنه من لم يتعلم القناعة بما يملك اليوم لن يسعد بما سيملك غدا، لأنه ببساطة تعود على ذلك. فلماذا لا نبدأ في تعويد أنفسنا على هذه العادة البسيطة جدا، لكنها عميقة وقوية و كفيلة بأن تغير حياتنا 360 درجة، صدقني عن تجربة أقول هذا، نعم إنه ممكن.. حين تبدأ في الامتنان والشكر و استحسان وتقدير ما تملك الآن حتى لو بدأ بسيطا و صغيرا، هذا يدرب عقلك و يجعله قادرا على فهم وتقدير الأشياء الكبيرة، حينها تبدأ في عيش ذلك الشعور بالامتلاء والرضا و الغنى. نعم إنه قانون الامتنان والشكر وهذا من بين أعظم قوانين الله سبحانه وتعالى في الكون، مصداقا لقوله تعالى « وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » سورة إبراهيم7

رحلة الذات
الشهر الكريم-حين يكتشف رمضان ما نخفيه
رمضان شهر يحمل الكثير بين طياته، رمضان شهر ليس كباقي الشهور و هذا ليس جديد،هنا تعجز كلماتي عن التعبير عن ما بداخلي و كأنها لم





