رمضان شهر يحمل الكثير بين طياته، رمضان شهر ليس كباقي الشهور و هذا ليس جديد،هنا تعجز كلماتي عن التعبير عن ما بداخلي و كأنها لم تنضج بعد، لكنني وعدته أن أكتب له بيني وبين نفسي، لنية في نفسي.. نعم رمضان شهر أكبر من أن تحتويه كلماتي، و مع ذلك سأحاول لأنني مدينة له باعتذار. اعتذار عن كل السنوات الماضية، حين لم أكن بعد قد عرفت عنه ما يكفي لأفهم قيمته و قوته
قبل سنوات اعتبرت شهر رمضان شهر الصيام فقط، التحضير للإفطار و التعب بسبب قلة النوم. فكانت علاقتي معه مضطردة جدا و تزداد مع كل سنة.
خلال السنتين الماضيتين و بسبب تغيرات في نمط حياتي أصبح رمضان بالنسبة لي شهر الضغط و التحديات و الجري و التعب و المرض، بدأت حالتي الجسدية تتدهور بحلول رمضان، حتى وصلت لحظة بدأت أخاف من هذا الشهر و أحيان أكره هذه الفترة لما يصاحبها من توتر و خوف و شد و سباق و إرهاق. نعم هذا قد يبدوا غريبا، لكنه حقيقي و إنساني
اليوم, الحمد لله أن أنعم الله علي بفرصة جديدة و جعل في العمر بقية، حتى أفهم بأن المشكل لم يكن رمضان، بل تعاملنا مع هذا الشهر و مع الحياة ككل
أكثر من ذلك اكتشفت عظمة أو القليل عن عظمة هذا الشهر، الذي لا يسهل تعريفه حتى لو حاولت. شهر ليس فقط فيه الكرم و البركة و التضامن و العبادات، بل هو شهر كاشف بالنسبة لي، نعم يكشف حقيقتنا، طبيعتنا، كل شيء فيه يضاعف ليس فقط الحسنات و الأعمال، بل حتى الفراغات و المخاوف و الأحزان و الألم و العقد التي ننجح في تجاهلها طوال السنة بالعمل أو المشتتات. هو شهر يظهر فيه ما نخفيه: حالتنا النفسية واضطرابات شكنا و هشاشتنا، انعدام التوازن وضعف الشعور بالأمان.. كل شيء يظهر على السطح، و تجدنا نتحرك بسرعة أكثر و نبحث عن ما يشغلنا أكثر، نستهلك أكثر، و نتكلم أكثر، نعطي أحيانا أكثر… هروبا مما يظهر. و هذا طبيعي و إنساني طبعا، لأن الإنسان عادة يهرب مما لا يستطيع تحمله، فتجد أغلب الناس على الهواتف و الشاشات أو في العزائم و الخروجات, أو حتى السهر ليلا و النوم نهارا
أتذكر السنة الماضية, كان غريبا ما يحدث بشكل لم أكن أعرف كيف أتصرف معه، فُتحت فيه بوابات بداخلي من كبر حجمها لم أكن قادرة على التعامل معها، و كنت أكيد اهرب الى التواصل و الشاشات كالعادة, كانت من المراحل الحساسة جدا في تلك الفترة, شعور بعدم الراحة غير مُفسر, توتر وتغير في المزاج, استعمال مفرط للهاتف, و صعوبة في التواصل مع الناس. ظهور تصرفات غريبة و ردات فعل غير معتادة أو بالأصح كنت أحاول في المرحلة التي سبقت الشهر معالجتها أو تغييرها. ظهور ذكريات قوية و ثقيلة كنت أعتقد أنني نسيتها أو تجاوزتها كليا, الحقيقة أنني حينها لم اكن قادرة على فهم و تفسير و التعامل مع ما كان يحدث
اليوم و بعد أشهر و مراحل طويلة و متذبذبة لفهم أن ما حدث, فهمت أنه ما كان إلا انكشاف وظهور لما كنت أعمد إخفاءه و تجاهله طوال الوقت, و أن رمضان كان فرصة لتلك المشاعر و المعطيات للصعود على السطح حتى دون أن أسمح لها بذلك, فأحيانا جسمنا يتكلم حين لا يعود قادر على حملها في صمت, فتظهر في أوقات معينة حتى لو لم يكن الإنسان مستعدا لاستقبالها
قبل حلول رمضان هذه السنة، ظهر السؤال الثقيل و العميق: ماذا سيظهر هذه السنة؟ لا أخفيكم, شعرت بالخوف والارتباك في البداية, لكن مع مرور الوقت بدأت احاول الإستعداد و لو جزئيا, لفكرة أن ما يظهر ليس ضدي, ليس شيئا سيئا ابدا هي فقط مواضيع وذكريات لم يتم التعامل معها و بقيت مخزنة في الجسم، و رمضان بقوة وعظمة طاقته سبحان الله يسهل ظهورها إلى السطح. فلا أعرف لحد الآن كيف سيكون الوضع, كل ما أعرف أن الأمر بيد الله, و أن كل ما يحدث فيه لطف من الله حتى لو لم نفهم ذلك. فاسأل الله العظيم أن يعيننا على السير في طريق الخير، و ينور بنوره بصيرتنا، و يغفر بأمره ذنوبنا، و يعيننا على شكره و ذكره كما يليق بجلاله سبحانه






